15 November 2011

الزكاة والضرائب


   إستكمالاً لما بدأناه في الموضوع السابق حيث تحدثنا عن الإقتصاد الإسلامي ووضحنا أن الاقتصاد الإسلامي هو إقتصاد حر بالأساس مع وضع ضوابط تكفل تحقيق العدالة الإجتماعية ومن أهم الأدوات التي تهدف إلي إعادة توزيع الثروة في الإسلام هي الزكاة والتي تختلف كثيراً عن الضرائب 

    الاختلاف بين الزكاة والضرائب ليس فقط في طبيعة الزكاة بل في تحديد الآلية.. فالأنظمة الاقتصادية الأخرى لا تحدد مثلاً شكل الضرائب وقيمتها.. ففي الواقع عادة ما يكون نظام الضرائب مستقلاً تماماً عن النظام الاقتصادي بل وعادة ما يتخذان مسارين مستقلين تماماً للتطور..فتترك الضرائب للنظام السياسي (أكرر السياسي وليس الاقتصادي).. ولذلك نجد أن الدول الرأسمالية لديها تشابه كبير جداً في القوانين المنظمة للتجارة وسوق المال مثلاً لأنه نفس النظام.. وفي نفس الوقت بينها تباين كبير جداً في نظام وقوانين الضرائب من بلد لبلد.. أكبر مثال دول الاتحاد الأوروبي.. دول كتلة اقتصادية واحدة ( أكبر كيان اقتصادي في العالم)، ولديهم قوانين تجارة وأسواق موحدة.. لكن لكل بلد نظام ضرائب ليس له أي علاقة بالنظام المطبق في الدول التي تجاورها. وهذة مشكلة كبري لإرتباط نظام الضرائب الوثيق بالأداء الاقتصادي وتأثيره الكبير فيه.. في المقابل أتى النظام الاقتصادي الإسلامي بالآلية التى تتوافق معه 


    والمتأمل يجد فرق كبير أيضاً بين الضرائب والزكاة حيث تكون الضرائب على الدخل، في حين أن الزكاة تكون على الأصول المعدة للتجارة والمدخرات..ويمكن ان نجمل الضرائب فى ثلاث أنواع:
  •   أول نوع هو ضريبة الدخل ، سواء للأفراد أو الشركات، والدخل هو النقود التى تحصل عليها نظير عملك سواء كفرد أو شركة بغض النظر عن مجال صرفها..  انت كموظف ستدفع ضرائب على راتبك بغض النظر عن ما تدفعه كإيجار أو ما تنفقه على نفسك وعائلتك، وهذا أيضا بالنسبة للشركات التي تدفع ضرائب على الأرباح (حصيلة البيع مطروح منها المصروفات) بغض النظر عن طريقة استخدام الشركة لهذة الأرباح سواء ستقوم بتوزيعها على المساهمين أو ستعيد استثمارها.
  •   والمصدر الثاني: هي الضريبة على الأصول .. وهذا يعني إمتلاكك لثروة أو سيارة ، أما بالنسبة للشركات فتعني المقرات وأدوات الإنتاج وخلافه
  •   والمصدر الثالث: الضريبة على المعاملات ، وتشمل كل أنواع التمغات والرسوم وأيضاً الضريبة على القيمة المضافة كضريبة المبيعات
وتتراوح قيمة الضرائب من نوع لآخر وقد تصل إلى 60%
   بالنسبة للزكاة فلها مصدران بشكل عام:
  •   المصدر الأول (بخلاف الضرائب): هي الزكاة على المدخرات التي تزيد عن قيمة معينة تعرف بالنِصاب حيث يمر عليها عام دون إنفاقها، .. وهذا يشمل الذهب والفضة ويقاس عليهما العملات المختلفة وكذلك عروض التجارة والأغنام والماشية وأيضاً كل ما له قيمة من الأصول التى تنوي بيعها والمتاجرة فيها،بمعني أنك لو أمتلكت قصرا بغرض سكنه فلا زكاة عليه أما العقارات التى تُتخذ للاستثمار تجب الزكاة على قيمتها السوقية وكذلك الإيرادات المتحصلة منها.. والزكاة الناتجة عن هذا المصدر بشكل عام 2.5%
  •   المصدر الثاني: وهو كل ما يخرج من الأرض، وهذا ينقسم إلي زرع ومحاصيل (حسب الحالة 5% أو 10%)، وزكاة الركاز مثل الكنوز والبترول والمعادن الثمينة المستخرجة من الأرض وهذة زكاتها 20%

   السؤال الأن  لماذا الزكاة أفضل من الضرائب؟
    أولاً من المعروف في علم الاقتصاد إن الضرائب من العوامل المثبطة للاقتصاد ولكنها عصب الدولة فبالتالي هي شر لا بد منه.. لماذا؟ وذلك لأن الاقتصاد له محركان أساسيان: معدل الإنفاق ، ومعدل الادخار للاستثمار .. الضرائب تؤثر بالسلب على هذين المحركين : حيث أنك كفرد أو شركة ستدفع ضرائب على الدخل وبالتالي تقل نقودك وهذا يؤثر على قدرتك على الإنفاق أو الإدخار.. والطامة الكبرى هي الضرائب على المعاملات لأن النمو الاقتصادي (النمو أهم وأخطر شئ بالنظام الأقتصادي حيث لابد ان يتماشي مع النمو السكاني) مرتبط بشكل وثيق بكمية المعاملات التى تتم فى السوق،ومن هنا فإن حجم التعاملات يتناسب عكسيا مع كلفة المعاملة  .. أبسط مثال لتوضيح ذلك هو ضريبة المبيعات التى تزيد من سعر السلع وتؤثر على قدرتك الشرائية .. بالإضافة إلى تعدد هذة المثبطات بسبب الازدواج الضريبي وتأثير الشرائح الضريبية فى الحد من الاستثمار..
    ثانياً: الزكاة يمكن ان توفر للدولة ميزانية اكبر من الضرائب..مثال واقعي.. بحسب مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة الوزراء، فإن حصيلة الضرائب فى مصر فى 2010 كانت 146 مليار جنيه.. وبعملية حسابية بسيطة لمعرفة الحصيلة المفترضة للزكاة.. في 2010 كانت كمية السيولة المتوفرة 961 مليار (عليها 2.5%) والناتج المحلي الإجمالي لمصر حوالي 3000 مليار، حوالي 10% منهم بترول وغاز ومعادن (عليهم 20%)، وزراعة 14% (عليها 5%)، أما الباقي فعليه 2.5%.. وبالتالي الحصيلة المفترضة للزكاة تقدر بحوالي 162 مليار جنيه (أكتر من الضرايب)،بالأضافة إلي أنه عند إلغاء  الضرائب المثبطة للاقتصاد سيؤدي لنموه بالتالي سيتوفر لديك حصيلة زكاة أكبر..

   وبالإضافة إلى دورها في التكافل الاجتماعي فإن للزكاة وظائف اقتصادية واجتماعية أخرى كتأمين الإنتاج وزيادته وتشجيع أرباب الأموال على التوسع في الإقراض وتمويل العمليات الإنتاجية لأنهم يعلمون أن حقوقهم ستُرد إليهم من مصدر ثابت معلوم هو الزكاة، وهذا هو ما يسمى في المصارف بالائتمان ويسميه نظام الإسلام الائتمان أو القرض الحسن حيث جعل الإسلام الغارمين أحد مصارف الزكاة فالزكاة تساعد من جهة على حركة رؤوس الأموال، ومن جهة أخرى تساعد في النشاط الاقتصادي

    كما أن الزكاة باعتبارها عبادة لا بد أن تتمتع بصفة الثبات وعدم التغير، وهذا لا يمنع الدولة عند الحاجة أن تفرض ضرائب غير الزكاة، وقد يجد أولياء الأمور مصلحة في اعتماد الطريقة التصاعدية في بعض الظروف الاستثنائية، فليس هناك ما يمنع ذلك إن كان بحقه، أما الزكاة فليس فيها مجال للرأي والتعديل. وعلى هذا لا تغني الضرائب عن دفع الزكاة، كما أن إخراج الزكاة لا يُعفي من مطالبة الدولة للفرد بالضرائب عند لزومها

0 التعليقات:

Post a Comment