16 June 2011

قانون مصادرة الحقوق (تجريم الإضراب سابقاً)ـ

بسم الله الرحمن الرحيم 


   أتذكر يوم 25 يناير وسط ميدان التحرير في حوالي الساعة العاشرة مساءاً حين أخذتني سِنة من تفكير وتأمل في المنظر من حولي وكيف أن الأعداد تزايدت بصورة مُبشّرة والوضع يحيط به الهدوء الحذر حيث كنا نمر بحالة شبه هدنة مع قوات الأمن المركزي ....كان معظم المحيطين بي وقتها شباب في العشرينات من عمرهم وقليل من رجال السياسة يعتلون إذاعة التغيير في قلب الميدان...أكاد أجزم أن الجميع وقتها كان يفكر في شئ واحد - سنفعلها - ولكن هل كنا نستطيع وقتها أن نحرز أكبر قدر من المكاسب الممكنة ؟ هل كنا سنصل إلي تخلي رأس النظام عن عرشه - أو إجباره علي ذلك - لو ظلت نفس الفئات كما هي في قلب الميدان دون تلاحم شعبي معنا ؟ 


   أعتقد أن القوة الضاربة في نجاح إعتصامات التحرير كانت تكاتف الشعب معاً بكل فئاته علي هدف واحد والشئ الذي أعطي زخم لتلك القوة وجعلها مؤثرة حقاً في تغيير واقع البلاد هو بلا شك إضرابات العمال وإعتصامهم في قلب الميدان وإعلان حالة من العصيان المدني بين طوائف الشعب كانت بمثابة الضربة القاضية لرأس النظام لنتجه بعدها سريعاً إلي إعلان تخليه - أو إجباره - عن الحكم


   تخليّ رأس النظام عن الحكم لم يكن ابداً بمثابة النهاية السعيدة لثورة هادرة طالبت أول ما طالبت بالعدالة الإجتماعية والحرية والكرامة الإنسانية إذ كان لابد من إستكمال طريق المطالبة بالحقوق كاملة وفي هذة الأثناء كان حزب الكنبة العظيم - الذي ظل يتابع أحداث الثورة من فوق كنبته التي تتعاطف مع الثوار تارة فتحضه علي التعاطف هو الأخر أو تعود لتتلمس للنظام أي عذر قبيح كان لتنقلب علي الثوار فيسير خلفها كإمعة لا مبادئ له - كان حزب الكنبة الذي تهلل فرحا بقرار الإطاحة برأس النظام يتخلي في أولي لحظات الفرحة عن أهم العوامل التي ضمنت نجاح الثورة وقادتها إلي الطريق الصحيح ألا وهي الطبقة العاملة وتخلي بالتبعية عن أهم مطالب الثورة المتمثلة في العدالة الأجتماعية واصفاً إياها بالفئوية (فئوية دي تبقي خالتك) في تمييز طبقي لا يليق إطلاقاً مما أفسح المجال واسعاً أمام المجلس العسكري وحكومة شرف ليصبوا جام بطشهم علي المطالبين بحقوقهم من العمال في لطمة من العيار الثقيل علي وجه الحريات الإنسانية والمطالبة بالحقوق العادلة ليقوموا بإصدار وتفعيل قانون تجريم الإضراب في سابقة لم يستطع النظام البائد في عز بطشه وتعنته أن يصدر مثل هذا القانون وهو ما يمثل خرق صارخ لحق المواطنين في الإضراب للمطالبة بحقوقهم حيث يكفل ذلك القانون الدولي 

   الغريب ليس إقدام المجلس العسكري علي سن مثل هذا القانون فهم أعوان الرئيس المخلوع علي مدار مشوار ظلمه الطويل بل المخزي حقاً موقف شرف ذلك الثوري الذي أتي الي رأس الحكومة من ميدان التحرير بفعل الإعتصام والإضراب ليقوم بتفعيل قانون يجرم الإضراب (إتمسكن لحد ما أتمكن) زاعماً أنه يستهدف العمليات التخريبية ويتصدي لتعطيل عجلة الإنتاج خصوصاً في تلك المرحلة الحرجة ليطالب المواطنين بالتخلي عن مطالبهم حتي يستقيم الإقتصاد الوطني في مراوغة متكررة لعدم تحقيق مطالب الثورة التي جعلته رئيساً للوزراء 


   حزب الكنبه العظيم يبدي أسباب كثيرة في مطالبته بوقف الإضرابات والسير الحثيث نحو العمل لتحقيق نهضة البلاد إقتصادياً ولكنه يتناسي أن نهضة البلاد الإقتصادية لن تري النور في ظل سحق طبقة معينة من الشعب يتمركز حولها السبيل إلي تلك النهضة - أعتذر أقصد سحق الشعب كله في سبيل إرضاء طبقة معينة - وأن تحقيق المطالب العادلة هو أقصر طريق لإنهاء حالة الإضراب فكيف لعامل أن يساهم في نهضة شاملة وهو لا يستطيع أن يكفل حياة كريمة لأسرته ... كيف لفلاح أن يشارك في تحقيق إكتفاء ذاتي من القمح وهو لا يجد ما يسد حاجاته اليومية ...كيف لطبيب أن يعالج المرضي وهو نفسه لا يستطيع أن يجد علاجاً آدمياً إذا ما مرض ... كيف لشعب أن يعيش وهو يري قوت يومه يُسرق أمامه ويطالبونه بعدم المطالبة به ... كيف تطالب قتيل ألا يصرخ من الألم وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة


   المخزي أيضاً أن قانون تجريم الإضراب هذا لا يطبق علي الجميع بل يطبق علي من لهم حق عادل فقط اما من كانت مطالباته لا أصل لها من الصحة استثناه هذا القانون في إزدواجية عقيمة ولنا في الشرطة المثل والدليل حيث تمارس الشرطة إضراب مقنع من يوم 28 يناير إلي الأن ولا نجد من المسئولين أي رد فعل إيجابي نحو ذلك بل هم الفئة الوحيدة أعتقد التي زادت رواتبهم بعد الثورة في مشهد هزلي من عالم الخيال  أما العمال الذين طالبوا بحقوقهم المشروعة فكان مصيرهم المحاكمات العسكرية (خمسة عمال من شركة بتروجيت - مدرسان - 10 مواطنين تم أعتقالهم من امام مجلس الوزراء) ليطل علينا قانون تجريم الإضراب بوجهه القبيح ويثبت أنه ليس إلا إلتفاف صريح علي مطالب الثورة في تحقيق عدالة إجتماعية 


   أصدروا القوانين كما تشاءوا .... فلن تستطيعوا إجبارنا علي التخلي عن حقوقنا المشروعة في حياة كريمة وعادلة بين جميع أفراد الشعب ... ولكن إحذروا موجات الثورة المتعاقبة لأنها ما أن تهدأ إلا لتعود أقوي مما كانت ... الثورة تعرف الطريق جيداً وستقتلع من يعاديها من جذوره

0 التعليقات:

Post a Comment